اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

280

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

ورغما عن هذا الاهتمام الكبير بالإدريسى ، والذي يرجع إلى عهد قديم ، فإن معلوماتنا عن سيرة حياته نزرة للغاية ، وهي جميعها في جوهرها إما أن تكون قد استمدت من نفس كتابه أو أنها تمثل روايات ترددها الأحاديث المنقولة وظل مصدرها مجهولا بالنسبة لنا . وينتمى أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن عبد اللّه بن إدريس إلى بيت الأدارسة العلويين الذين طالبوا وقتا ما بأحقيتهم في الخلافة ، وهذا السبب فقد اشتهر مؤلفنا باسم الشريف الإدريسى . وكان مؤسس دولة الأدارسة وهو إدريس الأول قد هرب من المشرق إلى مراكش وأسس إمارة مستقلة بنواحي سبتة Ceuta عام 172 ه - 789 ، ونال الشهرة بعد وفاته عام 177 ه - 793 كولىّ ولا يزال يتمتع بهذا الصيت في أفريقيا إلى أيامنا هذه . ويرتبط باسم ابنه إدريس الثاني ( 177 ه - 213 ه - 793 - 828 ) تأسيس مدينة فاس ؛ ولم تعمّر دولتهم لأكثر من عام 375 ه - 985 . أما أجداد الإدريسى المباشرون فكانوا أمراءا صغارا بمالقة Malaga ، وهم أيضا لم يستطيعوا الاحتفاظ طويلا بسلطانهم فاضطروا إلى الرجوع إلى سبتة في القرن الحادي عشر ، وهناك فيما يبدو ولد الإدريسى في عام 493 ه - 1100 58 - - . ويلوح أن صلة الأسرة بالأندلس لم تنفصم فالإدريسى نفسه تلقى العلم بقرطبة التي ظلت مركزا ثقافيا كبيرا . وهو قد عرف قرطبة معرفة جيدة ، فالوصف الشامل الذي أفرده لها في كتابه يحمل جميع آثار المعرفة المباشرة بالمدينة 59 . وقد بدأ الإدريسى أسفاره منذ سن مبكر فزار أماكن لم تكن مألوفة في ذلك العصر . ومعرفته الواسعة بأسبانيا ومراكش ليست أمرا غريبا ، ولكن يبدو من مواضع مختلفة من كتابه أنه زار لشبونة وسواحل فرنسا بل وإنجلترا ؛ وفي عام 510 ه - 1116 ، وهو لما يتجاور السادسة عشرة من عمره زار آسيا الصغرى . وهذا جميع ما أمكن استنتاجه بالتحديد بشأن رحلاته ؛ والظاهر أنه لم ير بقية أفريقيا وآسيا . وفي عام 1138 عبر البحر في ظروف يشوبها الغموض إلى جزيرة صقلية حيث كان يوجد بلاط روجر الثاني ببالرمو ؛ وقد ظل الإدريسى وثيق الصلة بروجر إلى وفاة الأخير في فبراير من عام 1154 60 ؛ ثم مرت عليه وهو بصقلية لحظات قلقة في عهد خليفة روجر ، ولكنه رجع في أيام شيخوخته فيما يبدو إلى مسقط رأسه سبتة وتوفى بها في عام 650 ه - 1160 على أرجح الأقوال 61 . وبمدينة بالرمو تقترن ذكرى أنضر فترة في حياة الإدريسى ، وببالرمو أيضا يقترن كتابه الكبير « نزهة المشتاق في اختراق الآفاق » 62 . وقد انبعثت فكرة الكتاب في عصر ازدهار حضارة صقلية تحت حكم النورمان ويرجع الفضل في ظهوره إلى روجر الثاني نفسه . ويؤكد هذا القول كلام المؤلف نفسه في مقدمة الكتاب حيث يبين في وضوح وجلاء دور الملك النورمانى في ذلك ، ويصف لنا بالكثير من الحيوية الظروف الفريدة التي تم فيها تنفيذ هذه الفكرة الرائعة لإخراج مصنف جامع في الجغرافيا . ففي خاتمة تمجيده لراعيه وولى نعمته يقول الإدريسى :